الصورة الكبرى
التفاهة هي الجانب السلبي للإبداعوربما السبب الرئيسي للتفاهة البشرية في هذا العصرهو فرط المعلومات واللذي قد أُثبت مؤخراًأنه يؤدي الى ظاهرة "تعفن الدماغ"المقصود هنا هو فرط المعلومات المكررة و السريعة وليس الدراسة المنظمة والإستعلام الواعي
هل تعرف ان اول حرف ينطق به الاطفال هو حرف الباء, وان جميع الكتب المقدسة للديانات البراهيمية بدأت بحرف الباء ايضاً!
الكيمياء جوهر الفهم البشري
لو دققت في اغلبية الكلمات الرئيسية في جميع اللغات سوف تدرك أنها تشير في الأصل الى عمليات كيميائية وأنماط هندسية و ميكانيكية رمزية. على سبيل المثال كلمة "حل" و كلمة "solution" كلاهما يشيران نحوياً الى الحلّ او الإجابة,
ولو عدنا بالتاريخ الى اصل كلمة solution سوف نرى انها في الحقيقة كلمة كيميائية ذات اصل لاتيني وتعني حرفيا الإنحلال وهي مشتقة من Sol auto ثم Solute
Sol تعني الشمس او الحرارة او النار و Auto تعني "إليه" او بدلالة عربية صريحة "آلي" والمعني من هذه التشكيلة هو "الانحلال او التلاشي"
كما ان كلمة Automatic هي في جوهرها Auto Matikosوتعني ببساطة "ذاتي المعرفة" ويمكن ان تكون بدلالة عربية صريحة "لدني".
اللغات البشرية لم تنشأ في الفراغ، بل نشأت من خلال مراقبة الطبيعة والعمليات الفيزيائية التي تحدث حولنا. الإنسان القديم شاهد المواد تذوب وتختلط وتتحول، فاستخدم هذه الصور الحسية لوصف العمليات الذهنية والمفاهيم المعنوية. بعبارة أخرى، لغتنا هي إسقاط للعمليات الكيميائية على الواقع المعنوي.
خذ على سبيل المثال كلمة "تفاعل" - وهي كلمة عربية تصف الاستجابة لظرف ما - فعل (والفعل حتماً هو النتيجة وليس السبب).
التفاعل في الكيمياء هو عندما تصطدم جزيئات من عنصرين مختلفين فتتحول إلى مركب جديد. في النفس البشرية، التفاعل هو عندما يصطدم مؤثر خارجي بوعيك فتنتج سلوكاً أو فكراً جديداً. المنطق نفسه!
يمكننا ان نسخر ذلك لصالح ذكائنا بهذا الشكل;
كلمة "solution" الإنجليزية ترتبط مباشرة بمفهوم كيميائي: عندما تذوب مادة في السائل تصبح "محلول" (solution)، وتختفي الحدود بين المكونات لتصبح مزيجاً متجانساً. هذا يعكس كيفية حل المشاكل:
الحل الحقيقي لا يأتي من الإقرار بالمشكلة فقط، بل من الدخول الكامل للمشكلة واختلاطك بها حتى تصبح جزءاً من وعيك، فينشأ تفاعل وتنشأ رؤية جديدة متجانسة لم تكن موجودة من قبل.
حيث لا يمكن حل أي مشكلة دون الذوبان فيها والتفاعل معها بتواضع.
كل خلية عصبية (نيورون) متصلة بآلاف الخلايا الأخرى عبر روابط تسمى المشابك (Synapses)، وهذه المشابك ليست عشوائية - بل تتبع أنماطاً هندسية دقيقة تشبه شبكات الجسور والطرق في المدن الكبرى. في اوقات معينة ومناسبات معينة تشكل الإزدحامات المرورية نمطاً معيناً, ويتكرر هذا النمط في وقت معين او مناسبة معينة.
عندما تفكر في فكرة، ملايين الخلايا العصبية تنشط في نمط هندسي معين. هذا النمط ليس عشوائياً - إنه يتبع ما يمكن أن نسميه "الهندسة الفكرية"، حيث كل تسلسل من الأفكار يرسم نمطاً هندسياً محدداً في شبكة الدماغ. الفكرة الواحدة قد تنشط مئات الآلاف من الاتصالات في نفس الوقت، مكونة شكلاً هندسياً ثلاثي الأبعاد في الفضاء العصبي.
كل شبكة هندسية هي مثل محطة اتصالات صغيرة جداً. الخلية الأولى تكتب رسالة كيميائية (الناقل العصبي)، وتضعها في القنوات (الزوايا او الشقوق الشبكية)، والخلية الثانية تستقبل هذه الرسالة عبر مستقبلات متخصصة.
يمكن للناقل العصبي أن يثير الخلية التالية (استثارة) أو يثبطها (تثبيط). والأغرب من ذلك، أن قوة هذا التأثير تعتمد على:
- تركيز الناقل العصبي (كم رسالة ترسل)
- عدد المستقبلات على الخلية الثانية (كم من قنوات الاستقبال مفتوحة)
- نوع الناقل العصبي ذاته (هل الرسالة فرح أم حزن، نشاط أم استرخاء؟)
وعندما تتكرر نفس الرسالة مراراً وتكراراً بين خليتين، يحدث شيء رائع; الاتصال بينهما يصبح أقوى. هذا يسمى في علم الدماغ و الاعصاب "التقوية طويلة الأمد" (Long-Term Potentiation). الخلية الثانية تبدأ بإنتاج مزيد من المستقبلات، والمشبك ذاته يتغير هندسياً - تصبح الفجوة أصغر، والاتصال أقوى. الذاكرة ليست ملف محفوظ في مكان ما، بل هي إعادة رسم هندسي للشبكة العصبية نفسها.
هذا يعني أن كل فكرة تكررها تغير الشكل الهندسي لدماغك. أنت حرفياً لست نفس الشخص بعد أن تتعلم عادة جديدة - دماغك قد أعاد تشكيل نفسه ماديّاً - حرفياً.
دراسات تصوير دماغي حديثة (2015-2020) باستخدام تقنية super-resolution microscopy أظهرت أن هذه التغييرات حقيقية وقابلة للقياس:
- الشبكات المستخدمة كثيراً تصبح أقوى وأكبر بنسبة 70% تقريباً!
- الشبكات غير المستخدمة تصغر وتختفي (pruning)
- هذا التَمرين العصبي يستغرق ساعات إلى أيام
إذا كنت باحثاً متعمقاً في التاريخ والأديان، ستلاحظ شيئاً غريباً ومثيراً للقلق: نفس الأحداث تتكرر في اوقات مختلفة و ثقافات مختلفة تماماً لم تكن لتتواصل مع بعضها أبداً.
أسطورة الطوفان موجودة في السومرية والمصرية واليهودية والإغريقية والهندية والأمريكية الأصلية.
ولادة الإله من عذراء موجودة في قصص ديونيسوس (يونان) و كريشنا (الهند) وميترا (فارس) وحتى يسوع (الشرق الأوسط).
ملك الحكمة الضائع موجود في أساطير الملك آرثر والحضارة الأطلسية والقدس.
السؤال المزعج هو: هل كل هذا صدفة؟ أم أن هناك قوة أعمق تشكل التاريخ والثقافة؟
الجواب يكمن في هندسة الدماغ البشري ذاته.
أحد أكثر الأنماط تكراراً في القصص الاسطورية البدائية هو البنية الثلاثية (The Three-Act Structure):
القصة المصرية (أوزيريس):
- الملك العظيم (أوزيريس) يحكم
- يقتله سيت فينقسم ثم يضيع
- ثم يُعاد تجميعه (بواسطة إيزيس) ويُبعث
القصة الإغريقية (أوديسيوس):
- البطل ينطلق في رحلته
- يصادف تحديات ويضيع
- يعود إلى موطنه
القصة اليهودية (موسى):
- يولد ويترعرع
- يتحدى السلطة ويضيع في الصحراء
- يصل إلى الأرض الموعودة
القصة الهندية (رامايانا):
- رام الأمير الفاضل
- ينفى ويفقد زوجته (ضياع)
- ينقذها ويعود
القصة الإيرانية (فيلاياتي):
- البطل ينطلق
- يعاني ويُختبر
- يعود منتصراً
هذا النمط ليس صدفة. بل ينبثق من البنية الفسيولوجية للدماغ نفسه.
الأدلة العصبية على الأنماط الثلاثية
الدماغ البشري منقسم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية متطورة بالتدريج:
- المخ الزاحف (Reptilian Brain) - الجذع الدماغي:
- يتحكم بالبقاء والغريزة الأساسية
- مقر الخوف والدفاع
- المخ الثديي (Limbic System):
- يتحكم بالعاطفة والذاكرة
- مقر الحب والألم والرغبة
- المخ الحديث (Neocortex):
- يتحكم بالتفكير المنطقي والإبداع
- مقر الوعي والحكمة
عندما يحكي الإنسان قصة، هو يتابع هذا التطور الثلاثي:
- الفعل 1: البطل في حالة طبيعية (الجذع الدماغي - البقاء)
- الفعل 2: البطل يواجه خطراً/ألماً (Limbic System - الألم)
- الفعل 3: البطل يحل المشكلة بالحكمة (Neocortex - الحل)
عالم الحضارات أرنولد توينبي والعالِم العربي العظيم ابن الخلدون قدموا في دراستهم الضخمة حقائقاً مشتركة, منها أن جميع الحضارات البشرية عبر التاريخ إتبعت نمطاً متشابهاً:
المرحلة 1: التحدي والاستجابة (Challenge and Response)
- بيئة قاسية تحتاج إلى مجهود
- المجتمع ينظم نفسه للبقاء
المرحلة 2: الصعود (Rise)
- القيادة الموحدة والقيم المشتركة
- الإنتاجية والإبداع
المرحلة 3: الذروة (Peak)
- الثروة والقوة العسكرية
- بداية الترف والانقسام
المرحلة 4: الانحطاط (Decline)
- فقدان القيم المشتركة
- الصراعات الداخلية
المرحلة 5: السقوط (Fall)
- انهيار النظام
هذا النمط تكرر في:
- الحضارة المصرية (3000 سنة)
- الحضارة الرومانية (1000 سنة)
- الحضارة الإسلامية (600 سنة في ذروتها)
- الحضارة الأوروبية الوسطى (1000 سنة)
- الحضارة البريطانية (200 سنة)
- الحضارة الأمريكية (بدأت تظهر أعراض الانحطاط)
هذا النمط ينعكس في نفسية الفرد أيضاً:
- التحدي: المخ الزاحف ينشط (البقاء والخوف)
- الصعود: Limbic System ينشط (الحب والعاطفة المشتركة)
- الذروة: Neocortex ينشط بكامله (الإبداع والحضارة)
- الانحطاط: تفكك التنسيق بين الأجزاء الثلاثة
- السقوط: انتصار المخ الزاحف (البقاء على حسابه والعقلانية)
أن ما ينطبق على الفرد ينطبق على العالم - لأن العالم ليست سوى إيقاع للنمط الهندسي الداخلي للطبقات المختلفة من الوعي.



إرسال تعليق